ابن كثير

221

البداية والنهاية

قال ابن إسحاق : ثم جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتدنى الحصون والأموال ، فحدثني عبد الله بن أبي بكر أنه حدثه بعض من أسلم : أن بني سهم من أسلم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله لقد جهدنا وما بأيدينا شئ ، فلم يجدوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا يعطيهم إياه ، فقال : اللهم إنك قد عرفت حالهم وأن ليست لهم قوة وأن ليس بيدي شئ أعطيهم إياه ، فافتح عليهم أعظم حصونها عنهم غنى ، وأكثرها طعاما وودكا . فغدا الناس ، ففتح عليهم حصن الصعب بن معاذ وما بخيبر حصن كان أكثر طعاما وودكا منه ( 1 ) . قال ابن إسحاق : ولما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصونهم ما افتتح وحاز من الأموال ما حاز ، انتهوا إلى حصنهم الوطيح والسلالم وكان آخر حصون خيبر افتتاحا فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بضع عشر ليلة . قال ابن هشام : وكان شعارهم يوم خيبر : يا منصور أمت أمت ( 2 ) . قال ابن إسحاق : وحدثني بريدة بن سفيان الأسدي الأسلمي عن بعض رجال بني سلمة عن أبي اليسر كعب بن عمرو قال : إني لمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر ذات عشية إذ أقبلت غنم لرجل من يهود تريد حصنهم ، ونحن محاصروهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من رجل يطعمنا من هذه الغنم ؟ قال أبو اليسر : فقلت : أنا يا رسول الله قال : فافعل . قال فخرجت أشتد مثل الظليم ( 3 ) فلما نظر إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم موليا قال : اللهم أمتعنا به قال : فأدركت الغنم وقد دخلت أولها الحصن ( 4 ) ، فأخذت شاتين من أخراها ، فاحتضنتهما تحت يدي ، ثم جئت بهما أشتد كأنه ليس معي شئ حتى ألقيتهما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فذبحوهما فأكلوهما ، فكان أبو اليسر من آخر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم موتا وكان إذا حدث الحديث بكى ، ثم قال : امتعوا بي لعمري حتى كنت من آخرهم ( 5 ) . وقال الحافظ البيهقي في الدلائل : أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني ، حدثنا أبو سعيد بن الأعرابي ، حدثنا سعدان بن نصر ، حدثنا أبو معاوية ، عن عاصم الأحول ، عن أبي عثمان النهدي أو عن أبي قلابة قال : لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر قدم والثمرة خضرة قال فأسرع الناس إليها ، فحموا فشكوا ذلك إليه فأمرهم أن يقرسوا الماء في الشنان ( 6 ) ثم يجرونه عليهم إذا أتى الفجر ، ويذكرون اسم الله عليه ، ففعلوا ذلك فكأنما نشطوا من عقل . قال البيهقي ورويناه عن

--> ( 1 ) في مغازي الواقدي : حصن النطاة ، وكان فيه خمسمائة مقاتل . وفيه : الطعام والودك والماشية والمتاع ( والودك : دسم اللحم ودهنه الذي يستخرج منه ) . ( 2 ) الخبران في ابن هشام 3 / 347 . ( 3 ) الظليم : ذكر النعام . ( 4 ) في الواقدي ، كان ذلك خلال حصارهم حصن الصعب بن معاذ . ( 5 ) الخبر في سيرة ابن هشام 3 / 350 ومغازي الواقدي : 2 / 660 . ( 6 ) يقرسوا : يبردوا . الشنان : الأسقية الخلقة ، وهي أشد تبريدا للماء من الجدد .